تحدي تفعيل اللغة (4): طاقة القراءة، كسر الإحباط، والعبور نحو الطلاقة
![]() |
| تحدي تفعيل اللغة الأجنبية ـ مهارة القراءة - عبير يونس |
لا تعد ذكرياتنا عن حصص القراءة باللغة الأم، مصدرا ملهما لمعنى القراءة المختلف الذي نبحث عنه هنا في رحلة تحدي تفعيل اللغة، فالتحدي المصاحب في ذلك المكان لم يكن له بالطبع بهدف تفعيل اللغة، وإنما كان كيف تنجو مشاعر الثقة بالنفس من ذلك الانتهاك على مقاعد الدراسة..
هل نقرأ لنتعلم أم نتعلم لنقرأ؟
هنا يكمن السؤال المهم لمعرفة الهدف الحقيقي لعملية القراءة، وهو ما سوف يعيد توجيه البوصلة إلى الإتجاه المطلوب. هل مهارة القراءة التي تسعى إلى اكتسابها، تنحصر فقط في القدرة على تهجي الحروف وضبط الحركات؟ وكيف نفرق بين مرحلة اكتساب المهارة ومرحلة استخدام المهارة المكتسبة ؟
القراءة وقواعد النطق
نتهجى الحروف ونتعرف على الأصوات في مراحل التعليم الأولى بلغتنا الأم لكي نتعرف على شكل الكلمات التي نعرفها بالفعل ونتحدث بها قبل دخول المدرسة. لقد سمعنا تلك الكلمات لسنوات ونطقناها بالفعل. تصبح عملية التهجي هنا تحصيل حاصل، فالكلمة المقروءة ليست جديدة أو غريبة. الأمر يختلف كثيرا عن التعرف على كلمة أجنبية لم نسمعها من قبل ولم نتعامل معها، وهنا تكمن الصعوبة، حيث يتضاعف ما نواجهه من غموض للمعنى. العملية مع اللغة الأم تشبه معادلة رياضية من مجهول واحد، بينما مع اللغة الأجنبية تتحول إلى معادلة من مجهولين.
القراءة والكلام
لعلك ترى أن القدرة على تهجي الحروف بصوت مسموع و النجاح في نطق الكلمات في جملة هو بداية التحدث. دعنا نحاول إيجاد علاقة بين النطق والكلام. ولعل من المنطقي هنا أن نقرّ أن الكلام يبدأ بالقدرة على النطق. ولكن، هل يتشابه نطق ما هو مكتوب مع نطق ما هو بداخل الدماغ ؟ إن مهارة التحدث، كما سنرى لاحقا، مؤكد تعتمد على الاستماع كأساس، ولا تعدو عملية التهجي لحروف الكلمة عن كونها مرحلة انتقالية تساعد على رؤية الكلمة التي سمعناها من قبل. فعندما تنجح في نطق كلمة أجنبية عندما تراها مكتوبة، فإن ذلك لا يضمن استحضارك للكلمة من الذاكرة عند الاحتياج إليها وقت الكلام، وإن كان يساهم بالطبع في عملية التخزين في الذاكرة
التنمر والإحباط
من وجهة نظري كمدربة لغة، أرى التهجي المطلوب للقراءة بصوت مسموع أمام الجميع، من أفشل طرق التعلم على الإطلاق. فمجرد الضحك على نطق غير سليم، يؤدي إلى الخرس التام عند من نطق أمام من ضحكوا. هذا، فقط يمثل الحرج أمام الأقران. تكمن الكارثة الأكبر عندما يقوم المعلم نفسه بالضحك والاستهزاء. إن تنمر كهذا، كفيل بإنهاء الرغبة في النطق تماما ، ليس فقط لمن تم التنمر عليه، فالأمر يمتد وبتأثير أقوى، على الحاضرين جميعا ويمنع رغبتهم في المحاولة عندما يحين دورهم للتفاعل، حيث يسيطر شعور الإحباط، فيمنع النطق خوفا من عواقب الأداء الخاطئ.
الطلاقة والدقة
الجميع يرجون أن يحظون بكليهما. الانطلاق بتدفق وبنفس الوقت بشكل صحيح يسير في اتجاه الدقة. لكن الفخ الأكبر يكمن في اعتبار الطلاقة خطوة تسبق الدقة، أو العكس؛ ففي حين يسعى المتعلم جاهداً للحديث أو القراءة بسرعة وسلاسة متجاوزاً الأخطاء، يوقفه خوفه الدائم من الخطأ ليغرق في تفاصيل الدقة والتدقيق الحرفي. الحقيقة أن الطلاقة والدقة هما وجهان لنفس العملة، تتغذى الأولى على الجرأة والممارسة، وتتغذى الثانية على الوعي والتصحيح التدريجي. إن محاولة الوصول إلى دقة كاملة منذ الخطوات الأولى هي مقبرة حقيقية للطلاقة، تماماً كما أن الطلاقة العشوائية دون حد أدنى من الوعي بالصحة اللغوية تؤدي إلى تثبيت أخطاء يصعب إصلاحها لاحقاً.
اختيار المادة المناسبة
لا يعد الاختيار هنا رفاهية، بل ضرورة للاستمرارية. أن تُقبل على القراءة ، فإن ذلك يتطلب أن ترغب في ذلك دون أن يتسرب إليك الملل ويحول بينك وبين الاستمرار. وكلما كان ما تقرأه ضمن دوائر اهتماماتك كلما زاد ميلك إلى إكمال القراءة. أنت هنا في مرحلة بناء مهارة القراءة الحقيقة، حيث القراءة وسيلة للاستيعاب وليست غاية ترتجى لإظهار القدرة على النطق السليم.
قياس مهارة الفهم عن طريق القراءة
قبل أن تقيس المهارة، لابد أن تفرّق بين قياس المهارة كهدف يخصك وبين قياسها من قبل جهة تقييم. تحديد هدفك هنا يعفيك من ضغط كبير قد لا تكون بحاجة إليه بالمرة. مقياس المهارة المطلوب لتقييم مستوى استيعابك لقراءة نص أكاديمي يختلف تماما عن شعورك بالاستمتاع بنص تقرأه دون حاجة للتقييم، حيث يعد ذلك هو المقياس الحقيقي للفهم.
دليلك إلى تفعيل اللغة الأجنبية

